الفيض الكاشاني
291
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
الجليل عن طلب الآمال ، والتعرّض للسّؤال ، والمراد في الاستكانة برفع يديه على منكبيه أنّه كالعبد الجاني إذا حمل إلى مولاه وقد أوثقه قيد هواه ، وقد تصفّد بالأثقال وناجى بلسان الحال : هذه يداي قد غللتهما بين يديك بظلمي وجرأتي عليك [ 1 ] . الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر لما روي أنّ الناس لمّا قدموا مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ودنوا من المدينة كبّروا ورفعوا أصواتهم فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « يا أيّها النّاس إنّ الَّذي تدعون ليس بأصمّ ولا غائب ، إنّ الَّذي تدعون بينكم وبين أعناق ركابكم » ( 1 ) . وقيل في قوله تعالى : « ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها » ( 2 ) أي بدعائك وقد أثنى اللَّه عزّ وجلّ على نبيّه زكريّا حيث قال : « إذ نادى ربّه نداءً خفيّا » ( 3 ) وقال تعالى : « ادعوا ربّكم تضرُّعا وخفية » ( 4 ) . أقول : وقد عدّ في العدّة من الآداب الإسرار بالدّعاء لبعده عن الرّياء ولقوله تعالى : « ادعوا ربّكم تضرّعا وخفية » ولرواية إسماعيل بن همّام عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال : « دعوة العبد سرّا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية ( 5 ) » . وفي رواية أخرى « دعوة تخفيها أفضل من سبعين دعوة تظهرها » ( 6 ) » [ 2 ] . وعن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « إنّ ربّك يباهي الملائكة بثلاثة نفر : رجل يصبح في أرض قفر فيؤذّن ويقيم ثمّ يصلَّي فيقول ربّك عزّ وجلّ للملائكة : انظروا إلى عبدي يصلَّي ولا يراه أحد غيري ، فينزل سبعون ألف ملك يصلَّون وراءه ويستغفرون له إلى الغد من ذلك اليوم ، ورجل قام في اللَّيل يصلَّي وحده فسجد ونام وهو ساجد فيقول : انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده ساجد لي ورجل في زحف فيفرّ أصحابه وثبت هو يقاتل حتّى قتل » ( 7 ) .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ج 1 ص 350 ، والترمذي ج 13 ص 14 ومسلم ج 8 ص 73 . ( 2 ) الاسراء : 110 . ( 3 ) مريم : 3 . ( 4 ) الأعراف : 55 . ( 5 ) الكافي ج 2 ص 476 . ( 6 ) الكافي ج 2 ص 476 . ( 7 ) رواه الشيخ في أماليه في حديث أبي ذر - رحمه اللَّه - كما في المستدرك ج 1 س 13 . [ 1 ] في بعض النسخ [ جرمي عليك ] . [ 2 ] الفرق بين الروايتين أن الأولى تفيد المساواة بين الواحدة الخفية والسبعين والثانية تفيد الزيادة عليها ثم الحكم بالمساواة والزيادة انما إذا كانت الظاهرة عرية عن الرياء والسمعة والا فلا نسبة بينهما كما في الوافي .